جدتي: تاج الصهبّة وصورة شيخوخة روان..

“كان جدي يقول بأن جدتي تمرة”
أسرار الطين: دنيا ميخائيل

لطالما تأملت الرابط الروحي بيني وبين جدتي، نظرًا للنشأة التي تمت بعيدًا عنها.
ولكن بعد انتقالها إلى فيافي منزلنا حلّت البركة، والبركة مفهوم نسمع به حتى نختبره، من كرم الله وحُسن ضيافته أنني أصبحت أرى جدتي طوال اليوم، وأضحك أكثر من المعتاد، واتعجب عجب من فاتته الواضحة، وانشغل بالتفاصيل التافهة. 

أتمت جدتي الـ مئة عام ويزيدون، حتى قصُرت الخطوة ونور العيون..
ولكن روحها ما زالت متقدة بحب الحياة، هذا الحب الذي لطالما تغنى به اليائس قبل المتفائل، وأجد طربهم نشازًا امام بهجة جدتي!

من بين جميع الأحفاد تقول جدتي أنني «شيخة حرب جِميع» لذا لا أجد لي غريم فيما بينهم.
لا أخفيكم أن منصب الشِيخة وضعني أمام مسؤولية كبيرة، وألزمني بالتروي وتبني الحكمة والقول السديد حتى لو كان “ودي أوقد كبريت وأشب فيها” وهي جملة شديدة الايجاز عنيفة الوعيد تقولها جدتي عندما تغضب علنًا وللأسف مسؤوليات المنصب حجبتني عن هذه الرفاهية.. 

تتميز جدتي بالفراسة كونها تمتلك نظرة فاحصة تأتي بجُمل صادمة لا تقبل الجدال حتى وإن كانت غير منطقية، ولكن مع الوقت تصبح واقعية!
تقرأ الشخصيات بدقة مثيرة للحماسة، لقد قالت لي في جلسة صفا: إنتِ تبشين في وجه الكبير والصغير، لكِ بال على العرب، لكنك في شِّق لحالك، ما تخابلين بس تقرين و (قلدتني وأنا اكتب على الكيبورد!) والشِّق في لهجتها يفيد التفنيد.

كانت العودة للرياض ثقيلة وجافة ودموعها مؤجلة، ولكن بعد وداع جدتي أصبحت مبللة بالانهيارات النفسية التي لا تهدأ حتى أصل لمنزلي، بحثت عن سبب تعلق روحي بها، وجاءت الاجابة باردة مصحوبة بضحكة خفيفة، داهمني بها الوحي (صورة شيخوختي)التي أرجو من الله أن تأتي وأنا بكامل عافيتي ولياقتي الفكاهية. 

كل صفاتنا الجوهرية واحدة، ولا نختلف إلا بالتوقيت الزمني فقط!
أولًا بالروح التي منبعها الأمل والمصب يتجلى بالتعامل مع الأزمات والخروج بدون عطب، بدون ما (تعلّم عليك الأيام وتكبر روحك) وخفة الدم والضحك المتواصل والسخرية من كل شيء بدايةً من أنفسنا وانتهاءً بخيباتنا، وعلو قيمة الروحانية والزهد بالماديات، حتى أسلوب الحديث مع الله!
جدتي لديها يقين تام أن الله سبحانه يعاملها معاملة خاصة، فعند النوم تقوم بتغطية وجهها مؤقتًا، والسبب “نور الملايكة ما يكشحني وهم نازلين يتحفظون عليّا” لم أصل لهذه المرحلة الذهبية، ولكنني دائماً ما أتباهى برعاية الله المتمثلة في حظي الكبير!
ويا عجبي من أسلوب التنافس! أذهلني وصفها لشعور التحدي مع غريم، وتعجبت من التطابق وشجاعة التصالح مع الذات!
أما الفن فجدتي تمتلك مهارات حِرفية جبّارة، فهي تستطيع رسم سفينة (ساعية البحر) واعطيتها دفتر ترسم عليه، فرسمت نصف الساعية، قلت: وين كمالتها؟ قالت: غلقت الورقة (بمعنى انتهت) جيبي كرتون مويا ونرسم عليه!! 

التختة خلصت أكتب على هدومي!

كما أن الكريم طروب، فجدتي تأنس بالطرب الخبيتي وعندما خيرتها بين أبو نورة وطلال أختارت طلال، وهذا ما يؤكد نظرتها الفنية عالية الجودة، وروحها شديدة الحساسية التي ترنو لحنان طلال وتأنس بمن يتجول داخل الروح يبتسم خجلًا إذا ما احتفلت الدنيا وصفّقت، ويواسي القلب الشجاع إذا ما الدنيا أدبرت، وبرقة (الراء) رقصت له القلوب وزغردت!

وأخيرًا قولنا تاج الصهبّة وهي قبيلة جدتي التي دائمًا ما تتغنى بأمجادها المتمثلة في سرعة غضب ذويها فقط لا غير، فمن يغضب سريعًا تقول له: خوالك الصهبّة!
ولم أكن أعلم أن الصهبّة لون غنائي من الحجاز إلا قريبًا، وهذا ما آخذني لباحة الشجون وحتف الظنون، فهذا الطرب يمّجد الروح لأسمى معانيها، ويأخذ بيد المضطرب لساحة الرحمة، يقول له: من يعيش كثيرًا يمت خفيفًا، فلا تبتأس بضيق الأيام ولياليها، ولا تجفل عن خوافي معانيها.

لا اعلم إذا كانت جدتي تعرفه، فهي انسانة متجددة، تستمع إلى الراديو يوميًا وتتمايل طربًا، حتى وإن كانت إذاعة القرآن الكريم تقرأ على مسامعها آل عمران!