“حين نحترم أحدًا ما احترامًا عميقًا نمتنع عن التسلل إلى خفايا روحه من دون اعترافه هو”
She Came to Stay، Simone de Beauvoir
عندما نقول دي بوڤوار، فإن أول ما يتبادر لأذهاننا هو كتاب الجنس الآخر ذلك المشروع الذي لم تعد الأمور إلى سابق عهدها منذ صدوره، فضلًا عن تسميته بـ دستور المرأة؛ لأنه حمل على عاتقه الإجابة عن سؤالها الوجودي:
من أعطى العالم وأقصد الرجال تحديدًا السُلطة في تحديد المراكز وجعل المرأة ثانيًا؟
من الناحية التاريخية، تُعد ماري وولستونكرافت (1759-1797) هي الرائدة في الفلسفة النسوية الحديثة.
حملت شُعلة الأولمبياد وركضت بها في ميادين التاريخ الذي تمت صياغته علنًا بأفكار الرجال، وكانت المرأة هي الملهمة لتلك الأفكار! ولم تحظى بالاعتراف وتم الاكتفاء فقط بهذه اللفتة الرومانسية الخجولة.
كتبت ماري روايات، واطروحات، وقصص رحالة، كما بحثت في تاريخ الثورة الفرنسية، وقواعد السلوك، وأدب الأطفال. لكنها اشتهرت بدفاعها عن حقوق المرأة.
في عام 1792 أصدرت كتابها الدفاع عن حقوق النساء (A Vindication of the Rights of Woman)
أكدت من خلاله على وجوب معاملة كل من الرجل والمرأة على أنهما مخلوقان رشيدان، يصنعان نظاما اجتماعيا يقوم على العقل كما انصب تركيزها بشكل كبير على المساواة في التعليم، فقد كانت تقول:
“أن النساء لسن أقل شأنا من الرجال، ولكنهن يبدون كذلك فقط لأنهن يفتقِرن إلى التعليم”
ذكرت موسوعة ستانفورد للفلسفة في استهلال سيرتها: “احتفظ تحليلها لوضع المرأة في المجتمع الحديث بالكثير من جذوره الراديكالية. كما أن أحد أسباب بقاء آرائها حول هذا الموضوع مثيرة للجدل هو أن تأملاتها في مكانة المرأة كانت جزءًا من محاولة للوصول إلى فهم شامل للعلاقات الإنسانية في حضارة يزداد فيها النزعة الاستهلاكية”
توفيت في الثامنة والثلاثين من عمرها، بعد عشرة أيام فقط من إنجاب ابنتها ماري شيلي التي كتبت عن إحياء الموتى وقصص جنونية وخيالية فقد ابتكرت شخصية فرانكنشتاين (إله النار الجديد) في عمر الثامنة عشر.
في عام 2017 صدر فيلم ماري شيلي من إخراج هيفاء المنصور وهي مخرجة سعودية من الأحساء وكتابة إيما جنسن وبطولة إيل فانينغ.
أما سيمون دي بوفوار فتُعد مؤسسة النسوية الوجودية وأحد أهم منظري الموجة النسوية الثانية، إذ أعادت صياغة المشروع النسوي في إطار فلسفي عميق تجاوز المطالبة بالحقوق إلى تحليل مفهوم المرأة والهوية والسلطة والثقافة.
ولسنا هنا لسرد تاريخ المطالبات النسوية عبر التاريخ، ولا لطرح آراء معروفة في هذا الشأن، بل وددت التطرق لموضوع مختلف، وهو كتاب:
أخلاقيات الغموض The Ethics of Ambiguity 1947
ويُعد أهم أعمالها الفلسفية الخاصة، فقد انتهت من كتابته قبل كتاب الجنس الآخر بعامين.
في هذا الكتاب مهدت للأساس الأخلاقي لفلسفتها الوجودية الخاصة، ولم تكن المرأة قضيتها، بل الحرية والمسؤولية وشرحت ازدواجية وتناقض الإنسان، فهو مقيد بظروفه مهما تنصّل منها، وعن محدودية الجسد وقدراته في الحياة وصيرورته للفناء، وأيضًا تحدثت عن الانسان بوصفه لا يملك رفاهية اختيار الظروف التي وُلد بها، وأخيرًا حاجته الإنسانية للأخرين مقابل رغبته بالحفاظ على استقلاليته.
فتقول عن الحرية:
“الإنسان لا يخلق العالم، بل يكتشفه من خلال المقاومة التي يبديها. فتقييم الإرادة لا يُحدد إلا بقراءة العقبات، وبحكم طبيعة الواقع، قد تُهزم بعض العقبات دون غيرها.
وهذا ما عبّر عنه ديكارت حين قال: إن حرية الإنسان لا متناهية، لكن قدرته محدودة. فكيف يُمكن التوفيق بين وجود هذه الحدود وفكرة الحرية التي تُؤكد وتُنكر ذاتها في نفس اللحظة؟
أما نحن، فمهما يكن الأمر، نؤمن بالحرية.
فهل صحيح أن هذا الإيمان يقودنا إلى اليأس؟
هل يجب أن نقبل بهذه المفارقة العجيبة: أنه منذ اللحظة التي يُدرك فيها الإنسان حريته، يُمنع من تمني أيّ شيء؟”
أما الأخلاق عندما تبدأ بالتحرك نحو هذه الحرية ترى سيمون أن الإنسان سيكتشف مبدأ علميًا ذا نطاق عالمي، ويُعد السمة المميزة للأخلاق بالمجمل، وهو النظر لحياة الانسان باعتبارها لعبة يمكن الفوز بها أو خسارتها، وأن تعليم الإنسان واجتهاده في سبيل الوعي هو أهم وسائل الفوز!
وتضيف: “من خلال التاريخ الأنثروبولوجي لقد رأينا أن المخطط الأصلي للإنسان غامض؛ فهو يريد أن يحدد مصيره وبقدر ما يتوافق مع هذه الرغبة فإنه يفشل. لذا فإن كل الخطط التي تتحقق من خلالها هذه الرغبة في الوجود محكوم عليها بالفشل؛ وتظل الغايات التي حددتها هذه الخطط سرابًا”
ترى الفيلسوفة إن تجاوز الإنسان لذاته لا يُجدي نفعًا في ظل هذه المحاولات الفاشلة. لأنه بهذا الصدد لا يملك الوعي الكافي لإدراك داخله ويقفز للخارج محاولًا أن يصبح إعلانًا عن الوجود، فإذا وُفق بتحقيق هذه الرغبة، فإنه يفوز، لأن الحقيقة هي أن العالم يصبح حاضرًا بحضوره فيه.
لكن وحي الظروف يفاجئه بمسالكه وتقلباته، مما يضعه أمام التزام متواتر للحفاظ على صورة الوجود المرجوة ويختبر ثباته حينما اختار فصل الذات عن العالم على بُعد مسافة معينة، في مواجهة عقبة يستحيل تجاوزها، حينها يصبح العناد غباءً. فإذا أصر على ضرب جدار حجري بقبضته، فإن حريته تتلاشى في هذه الحركة العبثية دون أن يكسب شيئًا، مما يضع كرامته في مأزقٍ عقيم.
في الاقتباس التالي تشرح سيمون بشارة الرواقيون باللامبالاة أمام مطحنة الاستسلام والاعتراف الساخر بالفشل..
“ومع ذلك، قلّما توجد فضيلة أشدّ حزنًا من الاستسلام.
فهو يُحوّل المشاريع التي كانت في البداية إرادةً وحرية إلى أوهامٍ وأحلامٍ عابرة.
لقد تمنى الشاب حياةً سعيدةً أو نافعةً أو مجيدة، فإذا نظر الرجل الذي أصبح عليه إلى هذه المحاولات الفاشلة في مراهقته بلامبالاةٍ مُحبطة، فإنها تبقى هناك، مُجمّدة إلى الأبد في الماضي.
فعندما يفشل جهدٌ ما، يُعلن المرء بمرارة أنه أضاع وقته وأهدر طاقاته، وذلك لأن الفشل يُدين روحه في المساحة التي بُذل فيها.
وللهروب من هذه المعضلة، بشّر الرواقيون باللامبالاة.
يُمكننا بالفعل أن نُؤكد حريتنا ضد كل قيد إذا وافقنا على التخلي عن خصوصية مشاريعنا، فإذا رفض الباب أن يُفتح، فلنقبل عدم فتحه، وبذلك نكون أحرارًا، لكن بفعل ذلك، لا يُنقذ المرء سوى مفهوم مجرد للحرية، مُفرغًا من كل مضمون وحقيقة.
تتلاشى حدود قدرة الإنسان لأنها تُلغى، إن خصوصية المشروع هي التي تُحدد حدود هذه القدرة، وهي أيضًا ما يُضفي على المشروع مضمونه ويُتيح تنفيذه.
هناك من يملؤهم الرعب من فكرة الهزيمة، فيمتنعون عن فعل أي شيء، لكن لا أحد يتخيل أن هذا الخمول الكئيب انتصارًا للحرية”
“في اليوم الذي سيصبح فيه بإمكان المرأة
أن تحب لا في ضعفها بل في قوتها
لا أن تهرب من نفسها بل أن تجد نفسها
لا أن تذل نفسها بل أن تؤكد ذاتها
في ذلك اليوم سيصبح الحب بالنسبة لها
كما هو الحال بالنسبة للرجل
مصدراً للحياة وليس مصدراً للخطر المميت”