لماذا يجب أن ندرس علم الجَمال؟

رحل رجل الكهف الأول بقيت رسوماته خالدة على جدران الكهوف، وحتى عندما رحلوا صُناع الحضارة لم يفنى إرثها بل تجلى بريقها كحضارة اكتشفت مؤخرًا زادها النسيان علوًا ومكانة، اختارت الصمود أمام تبدل أحوال الزمان.

فتشعر خلال زيارتك للمتحف أنك تتجول في متاحف الحياة، تسمع ضجيج أسواقها القديمة، وتُهندم أهلها لتعطيهم شيء من روحك ليتجسد المشهد أمامك في ذات اللحظة، عندها تتأكد أن وصف المقتنيات لا يُنصف جوهرها، ولا براعة العرض تحول بينك وبين خيالك الذي أعاد صياغة المشهد، واضعًا كل الاعتبارات المنطقية في الجزء اللامنطقي تمامًا.

في هذه اللحظة تمامًا أنت تعرف نفسك!
تعرفها من خلال شعورك الذي تسيد الموقف عبر الثواني الأولى من وقوفك أمام العمل الفني أو القطعة الأثرية أو المخطوطة النادرة، دعني أشرح لك ذلك..

إن أول مهمات الفن وصناعة الجمال في عصور الحضارة القديمة كانت لغرض التخليد وكتابة الأثر، ثم تجلت القوة الدينية فأخذ الفنان على عاتقه مهمة رسم عذابات المسيح والسعي للخلاص فتم توظيف الفنان في العهد الكنسي ليبدع ما أبدعه في الكنائس ودور العبادة، إلى أن سقطت سُلطة الكنيسة أمام النبلاء وأصحاب القرار فتم تخليدهم بأجمل من هيئتهم في الواقع! ثم نادت كل مدرسة فنية بدستورها، فالسريالية على سبيل المثال تتبنى نظريات سيغموند فرويد كمبدأ للتعبير، كما أن الانطباعية التي قدمها كلود مونيه في لحظات الانغماس بالطبيعة، تلك اللوحات التي تقدر بمئات الملايين نتيجة الأسلوب الفريد والخاص به، تعود لإصابته في بإعتام عدسة العين أو الماء الأبيض عام ١٩١٢م.

الفنان كلود مونيه يقف بجانب أعماله في أحد المعارض

فقد تم التمهيد لتلاشي النمط القديم، لتجد الخطوط والمكعبات والأشكال الحُرة مساحة فضفاضة للتعبير في رسم هانز هارتونغ وبيير سولاج مثلًا..

حتى أتى عصر الحداثة وما بعد الحداثة تعددت القضايا والإنسان واحد، عانى ويلات الحروب ثم عاصر الطفرة التكنولوجية فأصبح الحوار الحضاري بين الشعوب على رأس القائمة، سعيًا من القادة للتعريف به ولإيجاد نقطة للتلاقي الإنساني من خلال الحضارات.

هنا تم إعادة هيكلة الفن بمفهوم جديد وهو: (الفن لغاية الفن)
فبقدر ما يطمح العمل الفني للتعبير عن نفسه، تجده يمنحك الأولوية في قراءة ذاتك، وصياغة مشاعرك من خلال اللون والإيقاع، ويسعد الفنان عندما يجد عمله يحظى بتفسيرات عديدة، حتى وإن كانت بعيدة عن فكرة العمل الأصلي، هنا يتأكد الفنان أن العمل حقق المطلوب في الوصول للآخرين وملامسة تلك السراديب البعيدة في أرواحهم، فأصبحت الرؤية للأعمال المعاصرة كالتالي: "أنت الأساس، ليست الغاية أن تفهم رسالة العمل بل أن تتصل بإحساسك وتترجمه من خلاله"

ومع اختلاف أساليب التعبير الفني عبر التاريخ، أصبحنا نجدها في الطرح المعاصر تبحث عن جوهر الإنسان في خضم المتغيرات السريعة، وتسعى لأن يعبر عن ذاته من خلال الفن، حتى أصبحت جميع الفنون مقبولة في مجال الرسم والتشكيل، لا توجد قواعد فنية أو فرضيات يجد الاستناد عليها.
هنا يأتي دور علم الجمال كلاعب صف أول في التعبير الذاتي وقراءة المشهد، يحمل بيديه شعلة أولمبياد قادرة على إضاءة المشاعر المبهمة، الخطوط التجريدية، والألوان المتعاكسة.
لعلم الجمال دور أساسي في تحقيق جودة الحياة من خلال القراءة الفلسفية للجماليات، فيسعى بمثابرة المُخلص لتمهيد المساحة الصامتة أمام المتلقي والعمل الفني، فيهبه قاموس لا يحمل مصطلحات عشوائية في ثناياه، بل تجعله يعبر عن ذاته بشاعرية صادقة ومباشرة، كما يدعم التفاعل الإنساني نحو الجمال والفن، بعبارات يتقنها العامة ويضيف عليها الخاصة، بأسلوب ممنهج في قراءة الأعمال الفنية. ويحمل المختصين على عاتقهم هذا الدور، من خلال التأكيد على أهميته أثناء الطرح الأكاديمي، والتثقيف المستمر للبيئة المحيطة، وأثناء التفاعل مع زوار المعارض والمتاحف..

واستنادًا لطرح المفكر إدغار موران وهو: باحث وفيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، صاحب نظرية التعقيد، والفكر المركب، يُعرف بتأييده للقضايا الإنسانية العادلة، ولد عام 1921م في باريس، حاصل على أربع عشرة شهادة دكتوراه فخرية في العلوم الانسانية، كما يرأس الوكالة الأوروبية للثقافة بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونيسكو) من مؤلفاته: المنهج، إلى أين يسير العالم، الفكر والمستقبل، ثقافة أوروبا أو بربريتها، هل نسير إلى الهاوية، نجوم السينما، عنف العالم.

في كتابه «عن الجمال» الصادر عن جامعة الكوفة 2019 ترجمة محمد الذبحاوي اقتبس طرحه لأهمية تدريس علم الجمال في التعليم العام صفحة (130-129)، تحت عنوان: علّم الجمال ثم علّمْهُ
"يُعد اقتصارنا على تعليم الأدب كأدب فحسب، والشعر كشعر فحسب، والموسيقى كموسيقى فحسب أمر غير كاف. أكيد، من الضروري أن نؤرخ الأعمال الجميلة والكبيرة لجعلها تعرف وتُحبّ. ويمكنني القول إن علينا توفير هذه الأعمال مجانا للطلبة وهي أهم حتى من الكتب المقررة. كما ينبغي أن نعاود تجربة حفظ الأطفال والمراهقين للقصائد عن ظهر قلب، قصائد ستخلد في ذاكرتهم ويبقون يرددونها كسحر متجدد في سن البلوغ وحتى في شيخوختهم. لكن، علينا أن نبين لهم بشكل خاص، كيف أن الرواية، والمسرح، والسينما، والشعر هي وسائل لمعرفة كل ما يتعلق بالإنسان في علاقاته المفردة والمتنوعة، وتعليمها عمل أهم من تدريس العلوم الإنسانية التي هي علوم ليست موزعة ومصنفة في أقسام منفصل بعضها عن بعض حسب هي علوم غير متكاملة أيضًا بسبب تجاهل الجوانب الذاتية والبيولوجية والجسدية للإنسان.

ويجب ترسيخ الأعمال في أذهان التلاميذ بالتعليم المستمر. علينا ترسيخ هذا المفهوم الذي لا يستمر إلا على قدر وقت القراءة أو المشاهدة بشكل دائم. ومن الأفضل تثبيت هذا التعليم في أذهان التلاميذ ممن هم في سن المراهقة، أي في المتوسطة والإعدادية، وهو سن البحث عن الحقائق، السن الذي تتجلى فيه ميزة هذه الأعمال التي تنير فكر التلاميذ.
وأخيرا، علينا تعليم ما تعنيه الخاصية الشعرية للحياة، ومن ثم نخلق شعورًا ونمنح وعيًا بما يعني الإحساس الجمالي، فهو بأصالته نادر التمييز من بين الأحاسيس الشعرية، ونادرًا ما يكون مُدركا ناحية طبيعته الإنسانية. وهذا يشير إلى أن تعليم العلوم الإنسانية ليس ترفا حتى نختزل جزءًا منه لصالح التعليم النفعي. فهو يسمو على كونه نافعا، إنه ضرورة في الحياة. إنه زاد يعين على العيش، عيش حياة أفضل، حياة كريمة، أي أن نعيش حياة واقعية وشعرية في الوقت نفسه.

والشعور الجمالي، كما لاحظنا، هو شعور معقد، بما أنه مشاركة وتجرد، نشاط نفسي وجمود جسدي. الإبداع الفني معقد بما أنه يوحد الإلهامات المنبثقة من أعماق اللاوعي للفكر مع خصائصه الواعية الأسمى"

تعقيبًا على طرح د. موران الذي أجده وافي، إزاء تأكيد دور علم الجمال كمقرر يُطرح في التعليم العام، أو أن يكثف محتواه من خلال مقررات التربية الفنية، ليشمل نظريات الفلاسفة تجاه الجمال وأسس النقد الفني، وهي بدورها تعتبر نواة التعبير الجمالي تجاه الحياة بالمجمل.

كما أود اقتراح طرحه كمقرر اختياري في التعليم الجامعي لمختلف التخصصات، فإذا أخذنا في الاعتبار أنه يساعد في تنمية مهارات التفكير العليا مثل التركيب والتقويم، مما يكسب المرء جوهر التفكير الناقد، فيستطيع تبني النظريات بمنطقية تنعكس على أسلوب حياته وقراراته الشخصية، وتغيير مفهومه تجاه ما يتبناه ويتفاعل معه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.

نستطيع من خلال دراسة علم الجمال أن ندرك الفرق ما بين الجميل والجليل كما يقول كانط، وندرك ماهي محصلة الجمال في أنفسنا ؛لنستزيد منه ما استطعنا، ولكي نستطيع أن نعيد هيكلة مفاهيمنا البصرية تجاه الحياة، وأن نغدو أصحاب ذائقة ذهبية، تملك الحق في التعبير والانتقاد الفني بمعايير فلسفية عميقة.

وأخيرًا..
تدعم رؤية المملكة العربية السعودية 2030 برنامج جودة الحياة، الذي بدوره يسعى لأنسنة المدن وهو مفهوم يصبو إلى تعزيز البُعد الإنساني في تصميم المدن، مما يعود بالرخاء النفسي والصحي والجمالي على المواطن، فإذا اقتصرت قراءة الجمال على خريجي المجال والهواة، نفقد الكثير من المعنى المحيط بنا، ونمر على القطع الفنية مرور عابر لا يلمس شيء من ذواتنا.