المشهد الثقافي السعودي وفق نظرية هوفستيد للأبعاد الثقافية

2026-5-13 - منصة الإدارة الثقافية

ظهرت نظرية الأبعاد الثقافية لهوفستيد في عام 1980 على يد الباحث الإداري الهولندي جيرت هوفستد الذي عمل على دراسة استقصائية متخصصة، حيث شملت عينة الدراسة أكثر من 100 ألف موظف من 50 دولة موزعة على ثلاث مناطق، خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، للتحقيق في الاختلافات في القيم والمعايير داخل قطاعات مختلفة في شركة IBM وهي شركة عالمية مختصة بتصنيع أجهزة الكمبيوتر، ومن هنا تم تقديم النظرية بشكل رسمي:

إطار عمل يُستخدم لفهم الاختلافات الثقافية بين البلدان، وكيفية ممارسة الأعمال التجارية عبر مختلف الثقافات.

في مطلع الامر عرَّف هوفستيد الثقافة بأنها “يمكن النظر إليها كاستجابة ناتجة عن تدريب عقلي ومعياري مشترك بين الأفراد؛ وهو أسلوب تناقلته الأجيال بوصفه الطريقة الأكثر فعالية لتجاوز المشكلات” وتضم أربعة عناصر رئيسة:

الرموز (Symbols): تشمل اللغة والزي الرسمي والممارسات الجليّة في تعزيز ولاء الفرد للجماعة المنتمي إليها.

الشخصيات الوطنية (Heroes): من يتخذهم المجتمع المحلي كأمثلة ناجحة يقتدون بهم وينتهجون فكرهم.

الطقوس (Rituals): تشمل المظاهر الدينية والعقائدية والاجتماعية التي تعبر عن اعتقادات الجماعة.

القيم (Values): يتم استنتاجها بواسطة سلوك الأفراد ومفاهيمهم، وتعاملهم مع المواقف الاجتماعية والأخلاقية.

وقد استطاع هوفستيد الوصول إلى نظريته (أبعاد الثقافة) انطلاقًا من بحثه وقراءاته الطويلة في الشأن الثقافي، مما جعله يلحظ غياب وجود نظرية إدارية عالمية موحدة تصلح لجميع المؤسسات في كل زمان ومكان، وبعبارة أخرى، يمكننا القول أن بيئات العمل التي تتسم بالتنوع الحضاري، وتضم كفاءات ذات خلفيات ثقافية مختلفة، ساهمت بشكل فعال في صياغة أبعاد النظرية، حيث كان التمييز واضحًا بين الثقافات الوطنية المختلفة، وكذلك اختلاف أبعاد المعرفة وتأثيرها على آداب السلوك، في التعامل مع مراكز السُلطة ومستوى التساهل والانضباط، ومعايير التوجه نحو الخطط المستقبلية والتطور الفردي والمؤسسي.

أبعاد نظرية هوفستد الثقافية
وقد توصل هوفستيد نتيجةً لتحليل إجابات الاستبيان لأكثر من 100,000 موظف إلى تحديد ستة أبعاد رئيسة يمكن من خلالها تحليل المعايير الثقافية لمختلف الدول لقياس طريقة التفكير، والإحساس الوجداني، وأساليب التصرف في بعض المواقف، ومن بين الدول التي أجرى عليها الاستبيان سبعة دول عربية منها أربع دول خليجية وهي السعودية والكويت والإمارات والبحرين وثلاث دول عربية: العراق ولبنان وليبيا، ولأهمية هذه الدول -حسب رأيه- أسهب في تحليل نتائجها في كتاب خاص أسماه «الفكر العربي».
 

أبعاد النظرية الستة:

مسافة السُلطة (Power Distance)
تصف مسافة القوة ومدى قبول المرؤوسين الأقل قوة في المجتمع للتوزيع غير المتكافئ للسُلطة، وتتوقع ردود أفعالهم نحو أن يقودهم أو يتبوأ أحدهم في المجتمع منصبًا رفيعًا لا يستحقه. واللافت أنهم يتقبلون أي سلطة فوقهم وإن كان فيها نزعة استبدادية أو أبوية، بل ويعترفون طوعًا أنهم يستمدون قوتهم بحكم موقعهم في الهيكل الهرمي بالمؤسسة التي يعملون بها، والعكس صحيح، لدى الأفراد الأكثر استقلالية فيتوقع منهم النفور وعدم قبول أن يقودهم أشخاص غير أكفاء، وتبين أن علاقاتهم الشخصية والعملية تقوم على مبدأ يحترم علاقات القوة والكفاءة والديمقراطية.

الفردانية مقابل الجماعة (Individualism vs. Collectivism)
يقيس هذا البعد ما إذا كان الأشخاص في ثقافة معينة يعطون الأولوية للأهداف الشخصية الإنجازات والحقوق على أهداف المجموعة، أو العكس حيث تُعطى أهمية أكبر لأهداف المجموعة ورفاهيتها، ويُعرّف الشخص عن نفسه في هذه الفئة بـ نحن، حيث يقيس هذا البُعد مستوى التماهي الفردي أمام العائلة أو العشيرة أو الانتماء لتيار فكري معين.

الذكورة مقابل الأنوثة (Masculinity vs. Femininity)
غالبًا ما يُشار إلى بُعد الذكورة مقابل الأنوثة على أنه التمييز بين الأدوار للجنسين، ويقيس تقدير المجتمع لأدوارهم التقليدية، فالذكورة كمفهوم يحترم الحزم والقدرة العالية ويشجع التنافسية ويربط الإنجاز بالنجاح المادي. وتأتي الأنوثة بسياق متوازن يهتم بالرعاية والتواضع وجودة الحياة والاستقرار النفسي، كما تشير درجة الأنوثة المرتفعة إلى أن الأدوار الجندرية للنساء مهمة داخل هذا المجتمع، لذا من المحتمل أن تقدم المؤسسات ذات التصنيف المرتفع مميزات أمومة مُحسنة وخدمات رعاية أطفال مميزة، وتهتم بزيادة تمثيل الإناث في الأدوار القيادية وانتشار ريادة الأعمال النسائية.

تجنب عدم اليقين (Uncertainty Avoidance)
يدرس هذا البُعد تعامل الأفراد في مواجهة المستقبل والمجهول البعيد، ويحدد ميل الأفراد نحو المخاطرة واتخاذ القرارات في حالات عدم اليقين، في هذا البعد تحديدًا يتضح عمق الاعتقاد الروحي بالغيب من عدمه، ويُعطي تصور مبدئي عن المجتمع ومدى استعداده للامتثال والتأثير فيه بوضع القوانين والإجراءات الصارمة لغايات مستقبلية.

الانغماس مقابل الكبح (Indulgence vs. Restraint)
يتناول هذا البُعد مفهوم التسامح والتساهل أمام كبح الرغبات وضبط النفس، ومستوى تحكم المجتمعات في تحقيق دوافعها ورغباتها، فيشير الانغماس إلى أن المجتمع يسمح ويشجع على الاستمتاع بالحياة، وينغمس بالرفاهيات وعلى العكس في ضبط النفس فنجد المجتمعات تتبنى معايير اجتماعية وعقائدية تحد من إشباع الاحتياجات، وتركز على الاحتياجات الضرورية.

التوجه الزمني طويل/قصير المدى (Long-Term Orientation)
يقيس هذا البُعد مدى رؤية المجتمع لأفقه الزمني، هل يتبنى التوجه طويل الأمد أو قصير الأمد في وضع الخطط؟فالمجتمعات التي تُركز على التوجه طويل الأمد تُعطي الأولوية للنتائج المستقبلية، وتفضل تأجيل النجاح الفوري على حساب الإنجازات طويلة الأمد. وتصدر لأفرادها قيمٌ مثل المثابرة، والصمود، والاقتصاد، والادخار، والنمو المُستدام، والقدرة على التكيف، بينما يُظهر التوجه قصير المدى تركيزًا على المستقبل القريب، ويتضمن تحقيق نجاح أو إشباع قصير المدى، ويُولي اهتمامًا أكبر للحاضر أكثر من المستقبل، ويظهر اهتمامًا خاص بالتقاليد.

ملاحظة: تم اعتماد قيم الأبعاد الثقافية الواردة في الجدول من بيانات The Culture Factor Group وتوضح الجهة أن الدرجات تُحدَّث عند نشرها في مجلات علمية محكّمة، بينما تُستكمل درجات الدول غير المنشورة من خلال دراسات أو مشاريع بحثية وتجارية ينفذها فريقهم البحثي والممارسون المعتمدون. وآخر تحديث منشور كان بتاريخ 16 أكتوبر 2023 (الفردية IDV، والتوجه طويل المدى LTO).

التطبيقات العملية للأبعاد في هيئات وزارة الثقافة السعودية..

مسافة السُلطة (Power Distance)
تظهر في الإدارة الثقافية من خلال تقليل مركزية القرار في المبادرات والفعاليات، وتمكين الفرق الإبداعية من تشريع سياسات جديدة، ويسعى قطاع التراث لدعم مشاركة المجتمع الحرفي المحلي في إقامة المعارض والتسويق الشخصي، أما هيئة الأدب والنشر والترجمة فغالبًا ما تدعم الأصوات الشابة وتسهل دخول المواهب الجديدة غير التقليدية.

الفردانية مقابل الجماعة (Individualism vs. Collectivism)
تظهر واضحة في قطاع الفنون من خلال: تشجيع الهوية الفردية للفنانين، مع الإبقاء على مشاريع تجمع الفنانين ضمن مدارس أو مبادرات معينة، كما تُظهر المشاركة المجتمعية التطوعية مدى مساهمة الأفراد في مشاريع ثقافية مشتركة.

الذكورة مقابل الأنوثة (Masculinity vs. Femininity)
تجلى البُعد في تمكين المرأة في القطاعات الإبداعية، فأصبحنا نرى حضور المرأة في السينما والمتاحف والموسيقى، ولتحسين جودة الحياة الثقافية تم التركيز على الفعاليات التي تعزز الرفاه والانسجام الاجتماعي، لدعم المجتمع في بناء بيئة أقل تنافسية وأكثر تشاركية.

تجنب عدم اليقين (Uncertainty Avoidance)
نرى هذا البُعد بوضوح في مجالات السينما والفنون الأدائية والمعارض الفنية فهي تقبل أشكال تجريبية جديدة في الإخراج والكتابة، وتشجع الأعمال ذات المفاهيم غير المألوفة، وتتبنى إدخال التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والمحاكاة في المتاحف والبرامج.

الانغماس مقابل الكبح (Indulgence vs. Restraint)
نرى توسعًا كبيرًا في الفعاليات والمسارح والموسيقى والعروض، ساهمت في تعزيز الثقافة المجتمعية في الوصول للجميع، من خلال إقامة مهرجانات تحتفي بالحياة اليومية، وتؤكد على رؤية ورسالة الوزارة بأن تكون الثقافة نمط حياة للمجتمع.

التوجه الزمني طويل/قصير المدى (Long-Term Orientation)
تملك رؤية المملكة 2030 تحولًا نحو منظور طويل المدى في الاستثمار بالثقافة، كما أن مشاريع حماية وحفظ التراث تركز على خطط مستدامة للحفاظ على التراث وجهود الترميم، وتم التركيز على تنمية الصناعات الإبداعية التي تشمل استراتيجيات بعيدة المدى لتطوير السينما، الأزياء، الفنون البصرية.

وفي الختام..
لأننا نؤمن بأن الثقافة مساحة شاسعة للانتقاء الاجتماعي، وأفضل صورة حضارية تُصدرها الدول بالنيابة عن شعوبها وإرثها الثقافي، وجدنا في ميادين الدراسات والأبحاث، ما ينهض بالحراك الثقافي السعودي، ويقدم قراءات مختلفة وذات طابع مجتمعي أصيل، يؤكد على قوة الموروث السعودي، ونجاح المساعي في تصدير الثقافة الوطنية بأفضل الاحتمالات.