عن المدن: التي تسكننا بعدما نغادرها

“كل الناس يُعرفون بمدنهم، إلا المدينة فقد عُرفت بالذي نوّرها”
عبد المعطي الدالاتي

قلت لوالدي في أحد لحظات اليأس التي تمكنت مني “للأسف أي شخص عنده طموح، المدينة ما تستوعبه” والحمد لله المنّان الذي منّ على روان بعبور اليأس محمّلة بالأمل قبل حقائبي ولوحاتي، نحو الضفة الأخرى من المدينة، إلى الرياض: الأرض الموعودة لأبناء الوطن.

العجيب أن والدي وافقني الرأي، واستذكر الكثير من الأمثلة، لمن غضبوا مثلي، وغادروا كيف أنهم حققوا نجاحات كبيرة، تستحق أن تُذكر في اجتماعات مجلس القبيلة..

ليس الأمر في النجاح والتميز، ولا دهشة الرياض المتشعبة في ثنايا روحي مثل أحيائها، ولا ازدحامها الذي يشبه أحلامي الكثيرة، ولا لون شوارعها الأحمر على مد البصر، وهو لون القلق الذي أمتد بالتوازي مع خطوط مشاعري منذ انتقالي، ولا وفرة خياراتها التي تتماشى بدورها مع قائمتي السرية، وهي ما أسميتُها اللحظة الأخيرة: مخارج الطوارئ بأقل الخسائر وهي أحدى هدايا القلق بالمناسبة.

الأمر يا سادة أن المدينة المنورة، أدارت بوصلة روحي باتجاه الغرب وأنارت بصيرتي نحوها، ولا أعلم مدى تعمّدها في ذلك، ولكنني أعلم تمامًا ماهية النور الذي تركني بين الوهج والابتهاج، ودفء الانبلاج، نحو القشعريرة التي أيقظتني من سباتي في الطائرة قبل إعلان الوصول بمسافة زمنية تُقاس بالرهبة والتوق، ومزاحمة الغيوم للشوق، هذه القشعريرة -والله- تركتني في حيرة، وتدافعت الأسئلة على قلبي بسرعة ضرب الرصاص الغاشم:
هل لأني غبت خمس شهور؟
هل أنا مشتاقة لأهلي قد كذا وماني حاسة؟
متى آخر مرة رحت الحرم وزرت الروضة؟

تصوير: مدني سندي رحمه الله

ولا اجابة، فقط ابتسامة عملاقة، تقوست معها السماء بانحناء الراحة، عندما شاهدتها من الأعلى وكأنها المرة الأولى، كل المدينة مضاءة إلا الحرم النبوي متوهج، كل المدينة هادئة، إلا صدور المصلين في هذه الساعة، كل المدينة خطوطها منحنية إلا الروضة الشريفة، نقطة ارتكاز لمستطيلٍ صعب الاجتياز..

بعد هذه اللحظة لم أعد لسابق عهدي، ورحت أفتش عن نفسي بين المدينة والرياض
ماذا وجدت وكسبته مقابل ما أهملت فهمه؟

أدركت أن المدينة لم ولن تغادرني، فقد وجدتها في لهجتي ومصطلحات بني حرب التي دائمًا ما تبهر الأخرين: مثل قولنا (على سِمع واحد) وهي جملة تقال لمن توسد ذراعه لينام واستغرق في نوم عميق دون حِراك لساعاتٍ طوال، وكلمة (مصدِّف) وتعني أن وجهك اليوم مشرق مثل البشارة التي طال انتظارها، وكلمة (سريح) وهي كلمة نصف بها مجموعة من القوم تسير مثل الغنم السارحة بدون تفكير.

وجدتها في بريق العيون، عندما يعلمون أنني من أهلها، فألمح بشاشة سيرتها، وروحانية ذِكرها في عيونهم مثل الشهب الرنانة، وغالبًا ما ترافقها ابتسامة واعتراف موحد “يالله أهل المدينة غير” ورغم تكرار الموقف، الذي كان لابد أن يدعمني بحصانة كافية وادخار إجابات دبلوماسية وافية، إلا أنني أخجل كالعادة وابتسامتي تتحول لضحكة خفيفة، أروّح بها عن نفسي مداهمة الشعور، وثقل المسؤولية، للحفاظ على هذه الصورة النقية، وكأني وكيل أهل المدينة أو “وكيل عيال آدم” كما يقول أخي دائمًا.

وجدتها في علو قيمة الروحانية والزهد بالماديات، في قلب مدينة تضج بالأبراج والمشاريع، لا يشغلني منها إلا متاحفها ومعارضها الفنية ومكتباتها، والأهم من هذا كله أرواح أهلها الذين غمروني بالحب والحفاوة والكرم، وحاولنا جاهدين إيجاد منطقة وسطى بين عفوية الحجاز وصرامة نجد وما يجاورها، بالإضافة لشرح المصطلحات والعادات، ومناقشة الأفكار بدون عناء الوصول للنقطة الأخيرة، نقاش غايته الفهم لا الحكم.

لابد أن أذكر أن معاملتهم لي فاقت الوصف، لدرجة شعرت في لقاء يجمع فتيات من مختلف المناطق أنني البركة، ودعواتي مستجابة، بل ومّوردة للنعناع والورد المديني!

عندما غادرت المدينة، حتى أصوات أهلي في الهاتف اختلفت، ترقى لدي مستوى الحدس من قراءة الوجوه، إلى تحليل الأصوات بدايةً من الترحاب مروراً بلحظات الصمت قبل الاعتراف، وأخجل أيما خجل عندما يقولون لي “ما حبينا نشغل بالك” وكأن في بالي ما هو أهم منهم!

أنا وبكل ما أحمله في داخلي من محبة واحترامات وطيش وحماقات، تقف كلماتي خجولة وضئيلة بلا حراك..

أمام منزل أهلي، ونخيل أبي، وضحكة أمي، وبهجة جدتي، ومحبة أخوتي..
أمام كلمة جدتي: “خوالكم الصهبة”
أمام باب الروضة الشريفة، الذي تتهاوى على أعتابه الدنيا وتمسي بلا قيمة..
أمام أهل المدينة حاضرة وبادية، من جاوروا النبوة وتعاهدوا على اللين والبشاشة..
أمام بساتينها الظليلة، ولهجتها الأصيلة..
أمام ديرة خوالي وادي الصفراء تلك المساحة الحنونة التي احتضنتنا بأطول الضحكات..

ملاحظة: تفاجأت في عام الكورونا العجيب، عندما كنت أدرس بالنيابة عن أخي فيصل الفيزيائي، مادة تاريخ المملكة وهو يلعب فيفا ويرمي الشتائم مثل الملازم في أرجاء الغرفة، معللًا أن المادة “ماراح تفيدني في حياتي” لذا توليت المهمة، وركضت بين المعارك والتواريخ، وعند الامتحان تفاجأت بسؤال عن وادي الصفراء!
وهنا روان أصابها الذهول وتملكها الفضول، فأتضح لي أن أحد أهم المعارك الوطنية ضد العثمانيين كانت في وادي الصفراء عام 1812م فيذكر التاريخ أنها كانت أول اختبار للقوات العثمانية أمام جيوش الدولة السعودية الأولى، وانتهت بانتصار تاريخي ومشرّف في سبيل استرداد الحجاز.

وأخيرًا أختم بالعودة إلى المدينة، كما سأعود دائمًا، ملء قلبي المحبة والرضا، وأحمل نجاحاتي الصغيرة في حقيبة العودة وأوزعها على مسامع أهلي بعد تقسيم الهدايا وقبل الانقضاض على المائدة، التي أبشركم أنها اكتست حُلة العيد، وأصبحت روان تأكل في مواعين الضيوف، ولا يطلب منها رفع الصحون، وتم إعفائي من جملة: “أفزعي سوي شاهي أخضر”..

مريح وحزين في ذات اللحظة..
وشكرًا لمن وصل لهذه الجملة..