الليلة المظلمة للروح..

“من يحارب الوحوش عليه أن يحذر ألّا يتحول هو نفسه إلى وحش؛ فإذا أطلت التحديق في الهاوية، فإن الهاوية بدورها ستحدق بك أيضًا”
نيتشه، ما وراء الخير والشر 

تمر الروح الإنسانية في ميادين الحياة الراكضة، خاصةً تلك الروح الملتزمة بأعرافٍ تدعم تماهي الحدود الفكرية مع البشر، والمُبشرة بأن الموت مع الجماعة أرحم، والمؤكدة أن الاختلاف عليلٌ يرجى شفائه، والصامتة أمام تكرار أحداث الزمن وأحواله، الهاربة من داخلها إلى خارجها، بحثًا عن حقلٍ بشري يشبهها، عن نورٍ يضيء عتمتها، عن مرآة تعكس كل شيء إلا حقيقتها..

كان يجب على هذه الروح أن تنتظر مجيء ليلة مظلمة لا مفر منها، تعصف عتمتُها بكل شيء في لحظة غير متوقعة، فتتهاوى الصورة الذاتية، بجحيم الحيرة والسؤلات الغزيرة..
من أنا؟
هذا السؤال تحديدًا وقعه على النفس مثل صهيل الخيول في حربٍ ثقيلة، تصهل بإلحاحٍ متواتر والإجابة مستحيلة!

“ستخرج حياتك عن النص يومًا، وعندها ستتعلم الارتجال”

تقفز الروح من السؤال للهاوية البعيدة، وتتهاوى معها غيوم الصداقات الهزيلة، وقوائم الأمنيات الطويلة، وتُصفى الحسابات القديمة، وتجد في القاع ذاتها الحقيقية، وهنالك فقط تدرك لماذا كانت تعاني من أعراض انسحابيه من المحيط ولماذا الاغتراب أمسى مساحة آمنة والصمت أبلغ من موشحات الحديث، فتستريح الروح من عناء التوقعات وترقب المعجزات، ويرتع القلب الصغير في فيافي الدعاء وسلوة خاطره لربما بعد ساعةٍ يزول البلاء.
العجيب أن كل هذا الألم كان ضروري وحتمي، حتى تستعيد الروح بوصلتها تجاه خالقها، وينضج وعيها تجاه غاية خلقها.

Johan Gustaf Sandberg (1782–1854)

ولأن الفن والأدب تخلدهما المعاناة وغالبًا ما الإنسان العزاء الخالص تجاه عجزه عن صياغة ما يشعر به، في قصيدة أو لوحة أو مشهد سينمائي، فينتمي للعمل أو الشخصية لأنها تكفلت بتجسيد الشعور، ولم يكن عليه سواء الاستماع والتلقي الواعي..

خلال بحثي عن الليلة المظلمة للروح، وجدت أن ترتيب المراحل الذي قد كُتب سلفًا أدهشني، ورحت كعادتي أفتش عن عمل يجسد هذه الرحلة الروحية، فلم أجد إلا آريا ستارك!
ولا عجب أنها تكفلت بالنهاية في قتل ظلام الليل بعد رحلة مخاض مرهقة..

سأسرد لكم المراحل من خلال مشاهد آريا في Game of Thrones وأسفي الشديد لمن لم ينضم إلى حلف الثرونز الذهبي..

الليلة المظلمة هي جزء من رحلة الصحوة الروحية، وهي أعمق مراحلها، وفيها يحدث التطهير الفكري ونسف المعتقدات وتفكيكيها، بداية من مرحلة الطفولة الواعية مروراً بالمنعطفات اللزجة في الحياة، فيتضح للمرء أنه ابتعد عن هويته الأصيلة، و”حرق بنزين” أكثر من اللازم في سبيل الكل إلا نفسه!

هنا حُجب النور، وبدأت لحظة الظلام..
هذه الصدمة الأولى التي ساهمت في تحول شخصية آريا، وللأسف أنها لم تقتصر على هذه الطفلة الصغيرة فحسب؛ لأني اعتقد يقينًا بأن إعدام نيد ستارك الوحشي في وسط الجموع، هو أكبر دافع عكسي للمتابعة، لأن البطل الشريف والنبيل قُتل بغير وجه حق، وجرت العادة أن نضمن وجوده حتى لحظة الختام!
ولا ننسى موجة الكراهية العالمية الموحدة تجاه جوفري الخسيس، ولا أعلم مدى تجاوز الآخرين، لكنني ما زلت أكرهه!

تشكل انهيار التصورات القديمة في إعدام والدها وتشتت العائلة وضياع الوطن الأم وينترفيل..
وراحت تسبح آريا في الغابات وتقطع المسافات بلا وجهة محددة، وفي اعتقادها أنها تهرب من شيءٍ ما، ولم تدرك أن غرض الرحلة إيجاد ذاتها وسط كل هذه الفوضى.

العجز والفراغ الداخلي، أخذ آريا إلى معبد عديمي الوجوه..
وهنا بدأت رحلة NO ONE
لأن البوصلة ما زالت تتحرك بعشوائية، والغضب المتأجج برغبة الانتقام، قد أعماها عن حقيقتها..

معبد عديمي الوجوه
اختصرت قسوة المعبد أكثر النهايات الحتمية، فكل الأمور احتمالات إلا الموت حقيقة ثابتة.
المعبد موجود في برافوس الحرة، وهم يعبدون الاله متعدد الوجوه الذي يمنحهم قوة خارقة في تغيير الوجوه لتحقيق غاية القتل، شرط ألا يكون بدافع شخصي نابع من الغضب!

ما بين العمى وعمى البصيرة!
واجهت آريا فتاة المعبد بتحدي، متناسية كل شيء، وعندما تسألها عن أسمها ترد: No one فتصفعها الأخرى، وترد: لن تكوني منا، وكأنها تقودها لذاتها الحقيقة وآريا لم تعي ذلك -ياعيني عليها- بل كانت تبحث عن الانتماء، وما يحقق رغبتها بالاقتصاص والانتقام. 
عاشت آريا الظلام بالعمى والفقر والعوز إلى الناس، وما زالت ترفض الإنهزامية!

“ربّاه! أيّ نعمة كبيرة وهبتنيها إذ لا أخاف الموت ولا أخضع لتهديد ووعيد قصيري النّظر والسّفهاء” مصطفى چمران

هنا أدركت أن لا مفر من النهاية، بعد محاصرتها في منفاها، وحتى مع عودة إبصارها، لم تهاجم فتاة المعبد، بل الشمعة أولًا، وذلك لأن أكبر المعارك تدار في الداخل..

في طريق العودة إلى الوطن وينترفل
كان لابد وضروري جدًا أن تُعرّج على هذه القاعة، ورغم أن هذا الأمر ينافي قانون عديمي الوجوه، إلا إنها لحظة منتظرة وأتت شافية لنا بكثافة شعور آريا!

لحظة الختام عندما تبدد الظلام..
تُوجت بها آريا وفي نظري، هي من تستحقها من بين كافة الأبطال، لأن الظروف كانت تتشكل لإعدادها واستعدادها النفسي..

?What do we say to the God of Death-
.Not today-