“كنت عاقلاً، و مثقفًا و طالبًا في الدراسات العليا
و كل شيء يبدو على ما يرام!
و في الداخل صحراء يسكنها كائن
قاعد على ركبتيه في الفراغ و يأكل قلبه”
حسين البرغوثي واصفًا نفسه
لطالما كانت طلبات أبلة التربية الفنية، من أسباب التفكك الأسري، لا أتذكرها حتى تغلق المكتبات، وأداوم خالية الوفاض، وهذا الأمر لا يعنني اطلاقًا، لدرجة أنه استمر معي حتى في دراستي الجامعية للمواد التي لم تروق لي، مثل أشغال الطباعة، وكل ما له علاقة بالخيوط والأبر والتطريز.
من طفولتي إلى الصف الثالث متوسط، كنت أكره حصص الرسم، وإن كان الموضوع رسم حُر! ولا أخفيكم أن بنات عمي الموقرات هنّ من يرسمن لي، خرائط الجغرافيا وباقات الورود وأحمل كراستي للأبلة يملى صدري فخر العزوة، ومروءة الفزعة!
في الصف الأول ثانوي، تم اكتشف الموهبة بالصدفة! عندما قالت لي أبلة مها: “إنتِ فنانة حقيقية”
لقد صدَقت القول وأنا بدوري صدّقتها، وعندما تحل الذكرى السنوية ليوم المعلم أركض لها كما كنت صغيرة، أجدد نذور المحبة، وأخبرها عمّا قمت بالعمل عليه مؤخرًا، وأنه امتداد لكلمة نطقت بها، غيّرت مجرى حياتي.
عندما قررت دراسة الماجستير كانت جامعة الملك سعود خيار ثاني (شبه مستبعد) والحمدلله على ما يختاره بحكمته ورحمته، فعندما درست فهمت بالدرجة الأولى لماذا كل من شاهدتهم في برنامج من الصفر، يقولون: “طبعًا أنا خريج جامعة الملك سعود” بنبرة فخر واحدة رجالًا ونساءً!
من تجربتي الشخصية أعتقد أن الجامعة حققت لهم ولي شعور التقدير، بعد الركض في ميادين لا تدرك الفرق بين صقل البني آدم وطحنه!
من شدة سعادتي بالدراسة تفرغت لها تمامًا، وكنت أقوم بواجبات إضافية، استمتع بها أكثر من المتطلبات الرئيسية. والآن أدفع ربع عمري، لأعود لمحاضرة فلسفة الفن وعلم الجمال، والأرباع الباقية سأوفرها للحظات قادمة تفوق التوقعات..
الداخل مفقود والخارج مولود..
هنا بدأت مرحلة جديدة، أدركت أن الأمر لا يقتصر على إتمام المهمات، ومتابعة الحديث من الدراسات، بل بالتوازي مع عملية البحث يشرع المرء بالبحث عن ذاته، ولذا تجده يعاني من أعراض انسحابية من المحيط، لأنه غارق في محيط يصدح بسؤالين: من أنا؟ وهل الأمر يستحق كل هذا العناء؟
إلى أن تتنزل رحمات الله على الانسان ويتخرج من الجامعة يحمل شهادته وجميع مقتنايته، إلا نسخة منه تركها على مقاعد الدراسة، وما زلت اسأل نفسي في أي قاعة تركت تلك الروانة؟