«من الأفضل ألّا تنهمك بتكرار الدراسات
بل حاول تدريب ذاكرتك، وتعلّم ملاحظة كل شيء»
أرنولد بوكلين
تمثل مدينة بازل السويسرية نقطة الانطلاق لحياة اتسمت بالتماهي بين الأساطير والأحافير.
ولد أرنولد في السادس عشر من أكتوبر عام 1827، لوالديه كريستيان فريدريك بوكلين وأورسولا ليب، لينتقل الرسام الموعود بمستقبل نوعي، من عالم تجارة الحرير الذي انخرط فيه والده إلى القاعات الصارمة لأكاديمية دوسلدورف.
وتحت إشراف المعلم شيرمر، بدأ في دراسة واستيعاب منطق المناظر الطبيعية من وجهة نظر الفرشاة، وهي المهارة التي سيوظفها لاحقاً لرسم سراديب الروح البشرية؛ بداية من الأساطير والحوريات الغائبة إلى فيافي الطبيعة الحاضرة، كان يغزل من الحرير عوالم سرمدية لأساطير اليونان، طُرِّزَتْ على مساحة بيضاء بلحن الفناء!
“سافر حتى يتصاعد الدخان من البوصلة”
أحدث الانتقال من الانضباط الأكاديمي في دوسلدورف إلى رومانسية باريس وعظمة روما القديمة، تحولًا مفصليًا في رؤيته الفنية.
ففي متحف اللوفر، عكف على قراءة تاريخ كبار الأساتذة، ودرسها كمن يحاول دراسة لغة ثانية، من الجزء حتى الكل، ولكن دائمًا لإيطاليا رأيٌ آخر، فمن يزرها تتلو عليه صلوات الفنون ويمسي التسبيح في محرابها كولادة الفينيق التي أغفلت ريشة، ريشة واحدة لكل فنان؛ حتى يبعث نبّي جديد!
عاد إلى روما بين عامي 1862 و1866، وهي الفترة التي بدأت فيها صفحة ألوانه تميل نحو ألوان جريئة وتعبيرية. وبالدراسة التاريخية لهذه الفترة، تجدر الإشارة إلى أن إيطاليا المضيئة كما في عصر النهضة، خيّم عليها ظلال الثقل الأسطوري، ومن هنا بدأت أعماله تسير بثبات واضح نحو الرمزية، مستعينًا بشخصيات من التاريخ القديم لتجسيد الفناء الإنساني كنهاية حتمية.
جزيرة الموتى
بحلول أواخر القرن التاسع عشر، ترسخت شهرته التي تركزت في عمل فني محدد ومثير للرهبة. فبين عامي 1880 و1886، أنتج خمس نسخ من لوحة جزيرة الموتى.
هذه اللوحة الغامضة والجادة أصبحت فيما بعد محورًا أساسيًا للحركة الرمزية.
نتأمل المشهد المهيب، والزورق تُسيّره الأمواج الساكنة، بوده لو يبحر عائدًا، مشهد من الصمت العميق يزاحمه صوت حفيف أشجار السرو الداكنة، على جدران الجزيرة الصخرية، وتشعر بالنهاية الحتمية كلما اقترب الزورق من شاطئ غامض وضيق لا يمكن تفاديه.
تصور اللوحة حالة جياشة من تأمل الموت؛ كشاطئ لا مفر من الرسو عليه يومًا، وهنا تكمن البراعة في تجسيد ما لا يمكن لمسه، في تصوير ظلال الأحلام الحزينة وثقل الانتقال إلى الحياة الآخرة.
هذه اللوحة وضعت بوكلين كمحرر لذائقة أوروبية جديدة، امتد أثرها حتى للطاغية هتلر، الذي وقف أمامها معجبًا ومذهولًا، حتى تم شرائها من إدارة مستشارية الرايخ في برلين عام 1936م
تعرض الصور أدناه جزيرتي كورفو اليونانية، وجزيرة سانت جورج شمال غرب الجبل الأسود، والمقبرة الإنجليزية في فلورنسا حيث دُفنت ابنته، والتي لربما كانت مصدر إلهام لبوكلين.
“يا الله، يا من وهبني عزلتي، أرى الشمس تهبط..
الأكشاك خالية في السوق وبقية الأطفال يتعاركون عند النبع.لكن حتى ليلاً، حين لا نرى شيئاً
فإن جذوة الشمس، لا تزال تسخّن الأرصفة.
لهذا، على الأرض، تنبت الحياة بوفرة؛ لأن الشمس تحتفظ، بدفء ثابت على سطحها.أيدلّ هذا إلى معنى ما: أن اللعبة تُستأنف في الثرى!
إله النبع الصغير، وأن لا شيء يبقى ثابتاً، لا ضمان ضدّ الموت!”– لويز غليك، (عجلة مشتعلة تمر فوقنا، 2009).
في هذه القطعة الفريدة، اعتمد أسلوبه التقني على استخدام ضربات فرشاة قوية، فنرى اللوحة مضطربة بفعل فوضى الصراع؛ ومن الجدير ملاحظته هنا، أنه تجنب الخطوط الحادة، وعِوضًا عنها تماهى بوكلين مع تكوين شديد الكثافة ومتعدد الطبقات حيث تتصادم الشخصيات وسط مبنى متداعي.
إنها تجسيد حسي للدمار، حين يحترق الحد الفاصل بين الأسطورة والواقع في عاصفة من الظلال، وهنا قد نقول أنه تداخل أسلوبه مع حركة ما قبل الرافائيلية، ومع ذلك ظل متفردًا، بتجسيد صوفي مستلهمًا من سفر الرؤيا، كما يرتبط العمل بصريًا بلوحة «الفرسان الأربعة في سفر الرؤيا» للفنان الألماني ألبرخت دورربدت.
أنجزها في أواخر حياته، خلال إقامته في إيطاليا. وتكشف عن رؤية قاتمة لمصير البشرية، إذ تصور الحرب كقوة مدمرة تتجاوز حدود الإنسان وتستهدف المدن والحضارة، فكيف لها أن تكون قديمة وحديثة بشكل يثير القلق في آن واحد!
“اعتبر السرياليون لوحات بوكلين الغامضة، بمثابة مقدمة لاستكشافاتهم الخاصة للعقل الباطن”
امتد تأثير بوكلين الفني إلى ما هو أبعد من حدود اللوحة، ليصل إلى العالم السمعي للموسيقى الرومانسية المتأخرة. فقد وفرت لوحاته محفزاً بصرياً للملحنين، وكان لها أثر بارز في تشكيل الأجواء النفسية لأعمال غوستاف مالر.
قدرته على عبور النهر بين المرئي والنفسي، جعلت تأثيره حاضرًا لدى المهتمين بتمثيل العقل الباطن من الفنانين مثل: هانس توما، وجورجيو دي شيريكو، وسلفادور دالي، وماكس إنست، ومارسيل دوشامب الذي تحدث عن تأثير الفنان الكبير على تطوره الفني الخاص.
حتى النهاية، عندما رحل في فييزولي بإيطاليا..
كان موضوعه الحقيقي هو الحضور الأبدي للمجهول، وما بين رسم المناظر الطبيعية والحانات الرومانية والبساتين الأسطورية، ترك ورائه منارات يهتدي بها البحارة نحو نقطة التقاء الأسطورة بالفناء.